فخر الدين الرازي
313
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بها أضمر خلافها ؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملًا به لأتم النور لنفسه ، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره ، وإنما سمى مجرد ذلك القول نوراً لأنه قول حق في نفسه . وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نوراً لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم ، ثم إن اللّه تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النافق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر ، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف اللّه أمره فزال . وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات . وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد هاهنا مستوقد نار لا يرضاها اللّه تعالى ، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار ، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [ المائدة : 64 ] وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى اللّه عليه وسلم كإيقاد النار ، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور . المسألة الثالثة : فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب اللّه تعالى كثير ، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هادياً إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين ، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا ، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة ، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة ، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر ، فشبه تعالى أحدهما بالآخر ، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية ، بقيت هاهنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل : السؤال الأول : قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد ، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر ؟ والجواب : استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد ناراً ، وكذا قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ * [ الرعد : 35 ] أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [ النحل : 60 ] أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ [ الفتح : 29 ] أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا : فلان مثله في الخير والشر ، فاشتقوا / منه صفة للعجيب الشأن . السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة بالواحد ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع « الذي » موضع « الذين » كقوله : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] وإنما جاز ذلك لأن « الذي » لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالًا بصلته فهو حقيق بالتخفيف ، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين . وثانيها : أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً . وثالثها : وهو الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومثله قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ [ الجمعة : 5 ] وقوله : يَنْظُرُونَ